هناك لحظات لا تحتاج إلى ضجيج كي تكون مؤلمة ولا تحتاج إلى دموع كثيرة كي تترك أثرها العميق في القلب ومن أصعب هذه اللحظات لحظة الوداع تلك اللحظة التي يقف فيها الإنسان أمام حقيقة لا يريد الاعتراف بها ويجد نفسه مجبرا على ترك شيء أحبه أو شخص اعتاد وجوده حتى صار جزءا من تفاصيل أيامه
بودعك ليست كلمة عابرة تقال ثم تنتهي بل هي حكاية كاملة تختصر آلاف الكلمات والمشاعر والذكريات هي لحظة يمر فيها العمر كله أمام العين في ثوان قليلة وتعود فيها المواقف القديمة والضحكات البعيدة والأحاديث التي كانت تبدو عادية لكنها اليوم تبدو أثمن من كل شيء
بودعك وأنا أعرف أن بعض الأشخاص لا يمكن تعويضهم وأن بعض الأماكن لا يمكن أن تمنحنا الشعور نفسه مرة أخرى وأن بعض الأيام حين ترحل لا تعود مهما انتظرنا ومهما حاولنا إعادة عقارب الزمن إلى الخلف فالوداع لا يأخذ الأشخاص فقط بل يأخذ معهم جزءا من أرواحنا ويترك فراغا لا يملؤه أحد بسهولة
كم من وداع ظنناه بسيطا ثم اكتشفنا بعد سنوات أنه كان نقطة تحول كاملة في حياتنا وكم من يد تركناها ونحن نظن أن اللقاء قريب ثم مرت الأعوام دون أن تعود وكم من كلمة أخفيناها في صدورنا لأن الوقت لم يمنحنا فرصة لقولها ثم أصبح الصمت هو الشيء الوحيد المتبقي
في لحظة الوداع يصبح كل شيء مختلفا يصبح للصوت معنى آخر وللنظرات معنى آخر وحتى للصمت معنى آخر وكأن القلب يدرك قبل العقل أن شيئا مهما يوشك أن يغيب وأن صفحة كاملة توشك أن تطوى مهما حاولنا إبقاءها مفتوحة
بودعك وليس لأن المحبة انتهت ولكن لأن الظروف أحيانًا تكون أقوى من الأمنيات ولأن الطرق لا تسير دائما كما نرغب ولأن الحياة تكتب فصولها بطريقتها الخاصة دون أن تستأذن أحدا ودون أن تسأل القلوب إن كانت مستعدة لكل هذا الغياب
الوداع الحقيقي ليس في ابتعاد الأجساد فقط بل في تلك اللحظة التي يدرك فيها الإنسان أن بعض الأحلام لن تكتمل وأن بعض الأمنيات ستبقى معلقة في السماء وأن بعض الرسائل ستظل بلا إجابة وأن بعض الأماكن ستظل تنتظر أصحابها الذين لن يعودوا
ومع ذلك يبقى في الوداع شيء من الجمال رغم قسوته لأنه يذكرنا بقيمة ما امتلكناه يوما ويجعلنا ندرك أن الأشخاص الذين مروا في حياتنا لم يكونوا عابرين كما كنا نظن بل كانوا جزءا من الرحلة وجزءا من الحكاية وجزءًا من أنفسنا
بودعك وأنا أحمل الامتنان لكل لحظة جميلة جمعتنا ولكل ذكرى صنعت ابتسامة في وقت كانت الحياة فيه ثقيلة ولكل كلمة صادقة وصلت إلى القلب دون موعد ولكل موقف أثبت أن المحبة الحقيقية لا تقاس بطول الوقت بل بصدق المشاعر
يبقى الوداع درسا لا يتعلمه الإنسان بسهولة درسا يخبرنا أن كل شيء في هذه الدنيا قابل للرحيل وأن أجمل ما نستطيع فعله هو أن نمنح من نحبهم ما يستحقونه من اهتمام وصدق ومحبة قبل أن تأتي لحظة نقول فيها بودعك ثم نمضي حاملين معنا ما تبقى من الذكريات وما تبقى من الحنين وما تبقى من أثر لا يمحوه الزمن مهما طال
بودعك وما بين الوداع والغياب عمر كامل
بقلم/نشأت البسيوني
