تراتيل عابرة
كتب رياض الفرطوسي
في زاوية منسية من قطار هولندي يمر عبر حقول التوليب، جلس كافكا يوماً يدون في مفكرته أن المرء لا يحتاج إلى عواصف ليتغير، بل يكفي رذاذ هادئ يبلل زجاج النافذة ليعيد ترتيب فوضى العالم بداخله. هذا الامتلاء المفاجئ بالوجود ليس ترفاً، بل هو العبء اللذيذ الذي يحمله أولئك الذين يبكون أمام مشهد طفل يلوح بيده الغضة لعابر غريب على رصيف في أمستردام، أو أولئك الذين يستوقفهم بائع زهور مسن يبتسم في وجه الصباح دون سبب واضح. الجمال الحقيقي لا يطرق الأبواب بعنف؛ إنه ينسل كضوء الفجر عبر الشقوق، يوقظ الحواس النائمة التي صدأت بفعل روتين الحياة وجفاف الآلات.
حين كتب الشاعر بودلير عن "أزهار الشر"، لم يكن يبحث عن الورود المنسقة في المزهريات الفاخرة، بل كان يفتش عن نبضة الحياة في الحشائش البرية التي تنبت بين شواهد القبور، أو في حذاء قديم تركه صاحبه على حافة رصيف مبلل فصار حكاية دافئة عن السير والترحال. الأشياء المحيطة بنا ليست جثثاً هامدة؛ إنها مرايا لسرائرنا. فالنفس المتهشمة لا ترى في المرآة المكسورة إلا شظايا مشوهة، بينما الروح المضيئة تستطيع أن تجمع تلك الشظايا لتعكس بها خيوط الشمس وتصنع منها لوحة من طيف ونور. إنها معركة الحواس في مواجهة بلادة العقل الذي يريد تحجيم كل شيء وتحويله إلى أرقام وقياسات.
في شوارع هذه البلاد التي تتنفس بالابتسامات العفوية وتحية الصباح المتبادلة بين الغرباء، تلتقي أحياناً بوجوه تمر بك كلمح البصر، لكنها تترك في داخلك أثراً يشبه ارتطام موجة باردة بصخرة صيفية. عابر يلقي عليك السلام بمصافحة دافئة في زحام محطة، فيخيل إليك أن مجرة بأكملها ولدت في تلك اللحظة، وأن مسار يومك ( وربما عمرك ) قد انحرف نحو جهة أكثر إشراقاً. هذا اللطف الطفولي ليس مجرد سلوك اجتماعي، بل هو طاقة أثيرية، هالة غير مرئية تحيط بأجسادنا وتنبض بالانسجام والسكينة، تحمينا من قسوة العالم الخارجي وتعيد ضبط إيقاع أرواحنا المتعبة.
على الضفة الأخرى، ثمة حضور معتم لبعض البشر يتسلل إليك كغبار خانق، يطفئ فيك جذوة الفرح ويحيل وهجك إلى رماد بارد. إن معاشرة الكائنات التي تخلت عن دهشتها وتلوثت بالضغينة تشبه السقوط في بئر من الركود؛ فالقبح والبلادة عدوى تسري في المسام، ولا تكفي لمحو أثرها كل عطور الأرض ولا الاستحمام في مياه المحيطات السبعة. لعل هذا ما عناه الروائي الياباني يوكيو ميشيما حين تحدث عن عمق المأساة عندما تفقد الروح قدرتها على تذوق الجمال، فتصبح كأرض بور لا تنبت فيها سوى الوحشة. في نهاية المطاف، نحن لسنا سوى ما نشعر به، والكون ليس ما نراه بأعيننا، بل ما تترجمه قلوبنا من تفاصيل صغيرة وهتافات خفية.
تراتيل عابرة
كتب رياض الفرطوسيي
