يستمرئ الكثيرون ترميم الملامح المتآكلة بمساحيق واهية، ظناً منهم أن الاستحواذ على المشهد والجرأة على المنصات يمنحان صاحبهما صك الحقيقة. غير أن التاريخ، في جوهره وعمقه، لم يكن يوماً لعبة أغلبية عدديّة أو استعراضاً عابراً، بل هو صراع وعي طويل الأمد، هادئ وثقيل، تتسع دائرته ببطء شديد. فكل التحولات الكبرى التي أعادت تشكيل العالم بدأت بأفراد قلائل امتلكوا الرؤية وسط ركام السائد؛ بدأ الإسلام باثنين أو ثلاثة، وبدأت المسيحية باثني عشر، بينما قد يقترن خراب الأوطان بجموح ديكتاتور واحد. في هذا السياق، قاد المؤرخ البريطاني إيريك هوبسباوم مدرسة "التاريخ من الأسفل" (History from below)، مؤكداً أن التحولات الحقيقية لا يصنعها الملوك والحكام في قصورهم، بل يكتبها المهمشون والبسطاء على أرصفة الحياة، فهم القوة الدافعة الحقيقية وراء كل تغيير تاريخي عاصف.
إن محاولة حصر الواقع في لحظته الراهنة، أو إجبار الآخرين على تبني قراءة سطحية للأحداث عبر التكرار والإكراه اللغوي، لا تعكس سوى عجز عن النفاذ إلى جوهر الأشياء. فالرؤية الحقيقية تولد من قدرة استثنائية على ربط مئات الظواهر المبعثرة وتفكيكها، بعيداً عن وهم "التمركز حول الذات" الذي يصيب حراس المعبد الزائفين من أدعياء الثقافة، ممن يظنون أن ما يجهلونه غير موجود في الكون. هذا التضخم المرضي للـ "أنا" يعمي الأبصار عن رؤية الحقائق العارية، كمن يصر على تجميل واقع بائس لمدن مدمرة ومثقلة بالتلوث والخراب، فقط لأنه يقتات من فتات المكاتب الإعلامية لبعض الجهات السياسية . هنا يتجلى ما وصفه عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو بـ "العنف الرمزي"، حيث تسعى النخب المزيفة لفرض رؤيتها القاصرة على العامة، وتمرير سلطتها الفكرية كمسلّمات لا تقبل النقاش لشرعنة بؤس الواقع وتأبيد الوضع القائم.
في المقابل، تتجاوز المعرفة الحقيقية عقدة المكان والمسافات والحدود؛ إذ يقبع نبض التاريخ الحقيقي في القاع، هناك حيث يعيش البسطاء الذين يشكلون النواة الصلبة للمجتمعات. ولعل هذا ما تلمسه الفيلسوفة الهندية غاياتري سبيفاك في أطروحاتها حول "التابع"، حين تساءلت عن قدرة المهمشين على الكلام بعيداً عن وصاية النخب الحاكمة، مبرهنة على أن الهامش هو المرآة الأصدق لتفكيك بنية السلطة والمجتمع برمتها. أما محلياً، فما زلنا نصطدم بذهنيات رثة تدعي الأرستقراطية بلا مؤهلات، وشريحة من أشباه المثقفين والأكاديميين الذين يعانون من أميّة ثقافية حادة، وينطبق عليهم قول المفكر علي الوردي: "إن وعاظ السلاطين يمتلكون عقولاً متحجرة، يدافعون عن الظلم باسم الاستقرار، ويحاربون كل فكرة جديدة لأنها تهدد مكتسباتهم الضيقة". إن مواجهة هذا الركام لا تحتاج إلى مسايرة، بل إلى قلم يشرّط الواقع ويكتب التاريخ من منظور صناعه الحقيقيين، لا من منظور حراسه الزائفين.
الحراس الزائفون
كتب رياض الفرطوسي
