في فضاء العلاقات الانسانية الفسيح وثنايا الروح البشرية تشرق فضيلة الاستيعاب كشمس دافئة تبدد صقيع الجفاء وتذيب جبال سوء الفهم التي كثيرا ما تشيدها عواصف الحياة اليومية ان الاستيعاب ليس مجرد انصات عابر او صمت مفروض بل هو رحلة مقدسة تعبرها النفس نحو اعماق الاخر لتفهم دوافعه وتقدر مشاعره وتحتوي زلاته دون قيد او شرط وهو ذلك المرفا الامن الذي يلتجئ اليه الانسان حين تضيق به مسارات التعبير وتتلاطم في صدره امواج الكلمات فيجد في قلب من يستوعبه متسعا للبوح ومساحة للسلام وحين يتجلى الاستيعاب في تفاصيل الصلات بين البشر فانه يتحول الى بلسم يضمد جراح الخلافات ويمحو ندوب العتاب بل انه يعيد صياغة الروابط على اسس من المتانة التي لا تزعزعها عواصف السنين اذ ما من شيء يفسد الود مثل جدار سميك من عدم الفهم وما من شيء يحيي المودة بعد مواتها مثل روح تتسع لخطئك وتلتمس لك سبعين عذرا قبل ان تنطق باللوم ان هذا الاحتواء الصادق يرسخ في النفوس شعورا عميقا بالامان والتقدير وهو التربة الخصبة التي تنبت فيها ازهار المحبة الصافية وتترعرع بين جنباتها اواصر التالف المتينة وعندما يتجاوز الاستيعاب نطاق الفرد ليتغلغل في نسيج المجتمع ككل فانه يصنع معجزة اجتماعية فريدة حيث تتحول القلوب المتنافرة الى الحان متناغمة تعزف سيمفونية التضامن والوئام فتتلاشى الاحقاد وتذوب الخصومات تلقائيا لان كل فرد يشعر بانه مرئي ومسموع ومقدر في محيطه مما ينشر في الاجواء عبيرا من التسامح يملأ الاركان بهجة وينشر في الدروب ضياء المودة ويصبح المجتمع بفضل هذا الفهم العميق جسدا واحدا متماسكا تشد اواصره المحبة وتحرسه العاطفة النبيلة من كل شتات وتفرق لتظل القلوب نابضة بالالفة والارواح متعانقة في ظلال السلام العميم
الاستيعاب
كتب الدكتور خضر علي ملحم
