بقلم/ميرنا حسن
في عالم الموضة لا تعيش الأقمشة داخل الخزائن فقط بل تعيش أيضا داخل الذاكرة فلكل قطعة حكاية ولكل لون لحظة ولكل تصميم عمر كامل من المشاعر لا يراه أحد ولهذا لم تكن الموضة يوما مجرد اهتمام بالمظهر بل كانت سجلا صامتا يحتفظ بتفاصيل الحياة ويعيدها إلينا كلما لمسنا قطعة ارتبطت بيوم لا ينسى أو مناسبة غيرت شيئا في داخلنا
الموضة ليست سباقا نحو الجديد وليست مطاردة دائمة لما تعرضه المنصات العالمية بل هي قدرة الإنسان على أن يصنع لنفسه هوية لا تتغير مع تغير المواسم وأن يجد في كل قطعة يرتديها جزءا من شخصيته لا مجرد وسيلة للظهور أمام الآخرين فالثياب التي لا تشبه أصحابها تبقى مجرد أقمشة أما الثياب التي تنسجم مع الروح فإنها تتحول إلى امتداد طبيعي للإنسان
قد يفتح أحدنا خزانته فيجد قطعة احتفظ بها سنوات طويلة لا لأنها الأغلى ثمنا ولا لأنها ما زالت تواكب الموضة بل لأنها تحمل رائحة ذكرى جميلة أو نجاح كبير أو لقاء لا يمكن أن يتكرر وهنا تكشف الموضة عن وجه آخر لا يعرفه كثيرون وهو أنها تحفظ الزمن داخل الخيوط وتحول الملابس إلى ذاكرة يمكن ارتداؤها في أي وقت
المرأة تدرك هذا المعنى أكثر من غيرها فهي لا تختار ملابسها بعينيها فقط بل تختارها بقلبها أيضا فقد تقع في حب قطعة من اللحظة الأولى لأنها شعرت بأنها تشبهها وقد ترفض عشرات القطع الأخرى رغم جمالها لأنها لم تجد فيها ذلك الإحساس الذي تبحث عنه فالأناقة ليست قرارا تتخذه العين وحدها بل اتفاقا كاملا بين الذوق والمشاعر
أما الرجل فإن علاقته بالموضة أصبحت أكثر نضجا من أي وقت مضى فهو لم يعد ينظر إلى الملابس باعتبارها مظهرا خارجيا فقط بل باعتبارها جزءا من حضوره واحترامه لنفسه فالاختيار الجيد يمنحه ثقة هادئة لا تحتاج إلى استعراض ويجعله يعبر عن شخصيته بأبسط التفاصيل
ومع مرور السنوات تتغير نظرتنا إلى الأزياء فنكتشف أن القطعة التي تمنحنا راحة حقيقية أجمل من عشرات القطع التي ترتديها من أجل لفت الأنظار وأن اللون الذي يعكس شخصيتنا أكثر قيمة من لون انتشر لأنه أصبح موضة مؤقتة فالجمال الذي يعتمد على التقليد يختفي بسرعة أما الجمال الذي يعتمد على الصدق فيبقى مهما تبدلت الاتجاهات
وما يميز الموضة أنها تمنح الإنسان حرية أن يكون نفسه فلا تفرض عليه قالبا واحدا ولا لونا واحدا ولا أسلوبا واحدا بل تفتح أمامه أبوابا واسعة ليختار منها ما يناسبه ولهذا أصبحت الأناقة الحقيقية هي القدرة على الرفض بقدر القدرة على الاختيار فالذوق لا يظهر فيما نرتديه فقط بل فيما نقرر ألا نرتديه أيضا
وفي عالم سريع يتغير كل يوم أصبحت الموضة تحتاج إلى وعي أكثر من حاجتها إلى الإنفاق لأن امتلاك خزانة مليئة بالملابس لا يعني امتلاك الأناقة بينما قد تكفي قطع قليلة اختيرت بعناية لتصنع حضورا يلفت الأنظار ويترك أثرا جميلا في كل مكان
الأناقة أيضا لا ترتبط بالعمر لأن لكل مرحلة جمالها الخاص فالطفولة لها ألوانها البريئة والشباب له حيويته والنضج له وقاره ولهذا فإن الموضة الذكية هي التي تحترم العمر وتعبر عنه دون مبالغة أو تصنع وتجعل الإنسان يبدو في أفضل صورة تناسبه هو لا الصورة التي يحاول الآخرون فرضها عليه
تبقى الموضة أكثر من مجرد صناعة للأزياء وأكثر من مجرد عروض وتصميمات إنها ذاكرة تمشي معنا في الطرقات وترافقنا في صورنا وتشاركنا أجمل لحظات العمر وتبقى شاهدة على تغيرنا ونضجنا وأحلامنا ولهذا فإن أجمل قطعة ملابس ليست تلك التي حازت إعجاب الناس فقط بل تلك التي كلما ارتديناها أعادت إلينا شعورا جميلا كنا نظن أنه رحل مع الزمن لأن الأقمشة قد تبلى مع السنوات لكن الذكريات التي تحفظها تبقى جديدة ما بقي القلب قادرا على تذكرها
ذاكرة القماش
