ربما يكون هذا هو لسان حال كل من مر بصدمة او واجه تحديا مفاجئا قلب حياته دون استعداد. وهذا ما عشته انا ايضا لفترة لم تكن قصيرة. كنت ارى التغيير امرا مخيفا يحتاج الى قوة هائلة وجهد لا ينتهي، ثم اكتشفت بعد سنوات ان التغيير لم يكن يحتاج كل هذا الرعب، بل كان يحتاج الى قرار واحد قاطع: لقد اكتفيت من نسختي الحالية، وحان الوقت لصناعة نسخة جديدة مني.
المفارقة ان هذا القرار لم يولد في اقوى لحظاتي، بل في اضعفها. كنت بلا عمل، وبلا ارتباط، ومصدومة في اقرب الناس واعز الاصدقاء. لم اكن املك خطة واضحة، ولم اكن اعرف الى اين اتجه، لكن القرار نفسه كان بداية الطريق.
بالتدريج، انتقلت من شخص تائه يبحث عن نفسه ويختار العزلة، الى معالج نفسي وطاقي ولايف كوتش معتمد دوليا من الاتحاد الدولي للكوتشينج ICF. واليوم اقدم جلسات علاجية لاشخاص ارى في بعضهم نسختي القديمة، ثم اعيش معهم لحظة ميلاد نسختهم الجديدة حين يبدأ التعافي.
لكن سؤالا ظل يطاردني: لماذا تأخرت كل هذا الوقت؟ ولماذا احتجت الى هذا العدد من السقطات والصدمات حتى اتغير؟ لماذا لم ينقذني وعيي، ولم تدفعني اولوياتي الى التوقف في وقت ابكر؟
كانت الاجابة مؤلمة، لكنها ضرورية. فذلك الشخص الفاشل، او الخائن، او المخادع، او المتخاذل، او التائه، او فاقد الهوية، او الاعتمادي، او اللامبالي، او المثالي الزائف، لم يتكون في يوم واحد. في كثير من الحالات، يكون هذا الشخص امتدادا لطفل جرى اعداده ليصبح هكذا عبر سنوات طويلة.
فالطفل الذي لا يحصل على الاهتمام والدعم والاحتواء من الابوين، قد تظهر جروحه بصورة جامحة في فترة المراهقة، ثم تظل ترافقه في مراحل حياته المختلفة. وقد يتعلم لاحقا كيف يخفيها خلف قناع اجتماعي مقبول، وهو ما اطلق عليه كارل يونج في علم النفس التحليلي اسم "القناع الاجتماعي" او Persona.
وهنا تبدأ الحقيقة التي غيرت نظرتي الى نفسي والى الآخرين: نحن لا نتصرف دائما من وعينا الحالي، بل قد نتصرف من جروح قديمة لم تحصل بعد على فرصة للفهم او العلاج.
.
فما يظهر من سلوكيات لدى المراهق انما هي صرخه مكبوته محمله بكل ما مر به في طفولته من سوء اسلوب التوجيه والنقد السلبي وعدم وضع الحدود اقتحام الخصوصيه وتهميش رايه وقراراته ،فلو فكرنا برحمه اكبر لهذا المراهق وركزنا على التطورات التي يمر بها لوجدنا ان تغيراته الجسمانيه بزياده مليمترات كل يوم ، التغيرات الهرمونيه فما تعانيه المراه بضع ايام شهريا من تشوش في الافكار ومشاعر متضاربه وتقلب المزاج يعانيه المراهق لعده اشهر بل وسنوات اضافة للتغيرات النفسيه التي تكوين صورة ذاتية عن نفسه وبحثه عن الهوية " انا مؤمن بايه ؟ هل انا كافي هل انا مقبول ؟ هل انامؤثر في حياه الاخرين ؟؟ ليه لازم التزم بتوجيهات الاخرين؟
ينتقل بكل ذلك الى حريته التي حرم منها ومحاولاته لفرض الراي ورغبته في تجربه اي شيء وكل شيء اياً كانت النتائج ورفض توجيهات الاهل تحت فكره "لا أحد يفهمني .. لا أحد يدعمني"
وفي منتصف العشونات يبدا ببعض الثبات برسم ملامح لمستقبله وبدء الدخول في سوق العمل وكذلك تكوين اسره محاولاً اثبات ذاته وبدخول سن الثلاثين يبدا في تكوين صوره واضحه لشخصيته وطباعه وافكار ومبادئه من خلال ما اكتسبه من خبرات بالتجربه الشخصيه واثبات نفسه لنفسه وليس للاخرين ويزداد احساسه بالمسؤوليه اتجاه نفسه وحياته واسرته الجديده.
لتتوالى السنوات ليجد نفسه اب لاطفال بسن المراهقه الصغرى او الكبرى وهنا تصبح حياته مستقره بنسبه كبيره لما بداه ويتسلل الروتين الى حياته وحياه اسرته وهنا يبدا التفكير حيث بدات مرحله المراهقه بما فيها من زخم الافكار وتغيرات جسمانيه وهرمونيه وبالتالي مزاجيه ونفسيه لابدا رحله جديده في البحث عن نفسه وعن هويته ولكن السؤال هذه المره .. هل هذا هو الطريق الذي اردت ان اسلكه ؟ ما الاثر الذي ساتركه من بعدي فيما حققته حتى الان؟ انا استنزفت نفسي من اجل من؟ كيف الحق اعيش الباقي من عمري كما اردت؟ هل العلاقه بيني وبين الشريك لازالت حيه؟ هل انا صادق مع نفسي ؟ هل انا سعيد؟
ما حدث هنا ليس غياب الهويه بالمعنى الحرفي ولكنه تغير للادوار التي كنت تتقوم بها قبلاً واستقرت الان، مثل تكوين الاسرة وتامينها وتربية الاولاد واثبات جارتك في العمل حيث اصبح كل منهم يسير في سياق منتظم ومتوالي .. فظهرت الهويه التي اختفت خلف تلك الادوار لتعود الان وتاخذ مساحتها في الاولويه.
والسؤال الان كيف احدد واتناغم مع هويتي عملياً؟
وهنا تبدا رحله البحث الحقيقيه والتي تمثلك انت...
والتي تبدا اولا بفلترة القيم المهمه لك الان وليس سابقا ،.. حيث تتحول قيمك من أسرة وعمل وتامين الى الحريه والهدوء واستعاده الشغف والتعلم لذلك قم بكتابتها كلها ثم قم بتصفيتها لاهم ٣ قيم لك الان .
ثانيا فلترة الاقنعه .. قل لا لكل ما يستنزفك دون ان يخدم قيمك او يتعدى على حدودك. فقد حان الوقت الانزال الاقنعه الاجتماعيه.
ثالثا فلترة الاخرين.. اسال نفسك هل انا مع هؤلاء لاني ارغب في ذلك لاني مجبر على ذلك بدافع
ارضاء الاخرين و الخوف من الرفض .. يجب ان تعي انه من حقك ان تختار من يشبهك وفق هويتك ونسختك الجديده.
رابعا اعمل ما تحب .. فما من شيء يتجلى في الواقع الا بالعمل والتجربة وليس بالتفكير والتامل فقط، ابدا بالعمل على انشطه تكسب الحياه معنى بالنسبه لك كممارسه هوايه تم تهميشها وقد تتحول لنشاط تجاري فيما بعد او رياضه توقفت عن ممارستها او او عمل تطوعي.. او اي شغف خاص لا تنتظر منه المديح من احد.
فالخروج من هذه الأزمة لا يتطلب إعادة اختراع العجلة، بل يتطلب العودة للداخل بطفولة و ناضجة في آنٍ واحد.
وختاما نحن لا نفقد أنفسنا في الأربعين، نحن فقط نلتقي بها لأول مرة دون أقنعة.لقد أمضينا العقود الأولى نرضي التنشئة، ونطارد طموحات المراهقة، ونلبي متطلبات العمل والمسؤوليات. واليوم نقف في المنتصف، لنخلع عن كاهلنا تصورات الاخرين وتوقعاتهم واللازم والمفروض.
"أن منتصف الاربعين ليس بداية النهاية، بل هو البداية الحقيقية للحياة كما ينبغي لنا أن نعيشها"
هبه أنور ..
معالج نفسي و معالج طاقي
وكوتش العلاقات والتطوير الذاتي معتمد ICF
International coaching federation
